الشيخ محمد النهاوندي

384

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ لمّا حكى سبحانه في أول السورة إنكار المشركين البعث في الآخرة بقوله : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ « 1 » استدلّ هنا على وجوب البعث بقوله : أَ يَحْسَبُ ويتوهّم الْإِنْسانُ العاقل أَنْ يُتْرَكَ من قبل اللّه سُدىً ومهملا لا يكلّف في الدنيا ولا يحاسب بعمله في الآخرة ؟ حاشا وكلّا كيف يمكن ذلك مع أنّه تعالى أعطاه القدرة وآلات الأعمال والعقل ، وذلك مقتض لنهيه عن القبائح وأمره بالمحسنات ، وإلّا يكون هذا الخلق الكامل عبثا ، ويكون راضيا بوقوع القبائح منه ، وذلك مناف للحكمة البالغة ، ولو كان التكليف ولم تكن دار الجزاء لزم تساوي المطيع والعاصي ، وذلك باطل بالبداهة ، وإن كان إنكارهم من جهة عدم قدرة اللّه على الخلق ثانيا فنقول : أَ لَمْ يَكُ ذلك الانسان قبل خلقه الأول نُطْفَةً قدرة وماء قليلا مِنْ مَنِيٍّ متكوّن في صلب الرجل يُمْنى ويصبّ من مخرج بوله في رحم أنثى ثُمَّ بعد انصبابه في الرّحم كانَ ذلك المنيّ ، أو ذلك الانسان عَلَقَةً وقطعة دم فَخَلَقَ اللّه وقدّره فَسَوَّى خلقه وعدّل قامته وأعضاءه وأكمل نشأته . عن ابن عباس : فَخَلَقَ أي نفخ فيه الروح فَسَوَّى أي فكمّل أعضاءه « 2 » . فَجَعَلَ وخلق مِنْهُ بقدرته الزَّوْجَيْنِ والصنفين من الانسان ، أعنى الذَّكَرَ وَالْأُنْثى مع اختلافهما في الطبيعة والأخلاق أَ لَيْسَ أيّها الشاعر ذلِكَ الخالق العظيم الذي خلق أولا هذا الخلق البديع بلا مثال من ماء بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ويخلقهم ثانيا من تراب ، مع أنّ الخلق الثاني في نظر العقل أهون وأسهل من الأول . روي أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله كان إذا قرأها قال : « سبحانك اللّهم بلى » « 3 » . وعن ( المجمع ) أنّه روي عن الباقر والصادق عليهما السّلام « 4 » . وعن ابن عباس من قرأها فليقل : سبحانك اللّهم بلى ، إماما كان أو مأموما « 5 » . وفي رواية : كان النبي صلّى اللّه عليه وآله يقول : « بلى واللّه ، بلى واللّه » « 6 » . عن الباقر عليه السّلام : « من أدمن قراءة لا أُقْسِمُ وكان يعمل بها بعثه اللّه مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من قبره في أحسن صورة ، ويبشّره ويضحك في وجهه حتّى يجوز على الصراط والميزان » « 7 » . وفّقنا اللّه وجميع المؤمنين لإدمان تلاوتها ، والحمد للّه تبارك وتعالى على التوفيق لإتمام تفسيرها .

--> ( 1 ) . القيامة : 75 / 3 . ( 2 ) . تفسير الرازي 30 : 234 . ( 3 ) . تفسير الرازي 10 : 258 ، تفسير روح البيان 10 : 258 . ( 4 ) . مجمع البيان 10 : 607 ، تفسير الصافي 5 : 258 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 10 : 258 . ( 6 ) . تفسير روح البيان 10 : 258 . ( 7 ) . ثواب الأعمال : 121 ، مجمع البيان 10 : 594 ، عن الصادق عليه السّلام ، تفسير الصافي 5 : 258 .